أحمد مصطفى المراغي
252
تفسير المراغي
وقد جرت سنة اللّه في خلقه أن يسرع في إجابة دعوة الرسل الضعفاء ، من قبل أنهم لا يملكون ما لا فيخافوا أن يضيع في سبيل الدعوة الجديدة ، ولا جاها ونفوذا فيخافوا أن يضيعا أمام الجاه الذي منحه صاحب الدعوة - وأن يتخلف عنها السادة الكبراء حتى يدخلوا في دين اللّه وهم له كارهون ، ومن ثم يظل الجدل بين أولئك الصناديد ورسل اللّه ، ويأخذون في انتقاصهم . وكيل التهم لهم تهمة بعد تهمة ، واللّه ينصر رسله ويؤيدهم ويشدّ أزرهم . وعلى هذا السّنن سار أهل مكة مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقد تخلف عنه سادتهم وكبراؤهم حسدا له ولقومه الأدنين . ( 2 ) إنهم كانوا إذا رأوا أبناءه يموتون ، يقولون : انقطع ذكر محمد وصار أبتر ، يحسبون ذلك عيبا فيلمزونه به ويحاولون تنفير الناس عن اتباعه . ( 3 ) إنهم كانوا إذا رأوا شدة نزلت بالمؤمنين طاروا بها فرحا وانتظروا أن تدول الدّولة عليهم وتذهب ريحهم ، فتعود إليهم مكانتهم التي زعزعها الدين الجديد . فجاءت هذه السورة لتؤكد لرسوله أن ما يرجف به المشركون وهم لا حقيقة له ، ولتمحص نفوس الذين لم تصلب قناتهم ، ولتردّ كيد المشركين في نحورهم ، ولتعلمهم أن الرسول منتصر لا محالة . وأن أتباعه هم المفلحون . [ سورة الكوثر ( 108 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ( 1 ) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ( 2 ) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ( 3 )